الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

274

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و ( عليك ) يتعلق ( بسلام ) و ( بركات ) وكذلك وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ . والأمم : جمع أمة . والأمة : الجماعة الكثيرة من الناس التي يجمعها نسب إلى جدّ واحد . يقال : أمّة العرب ، أو لغة مثل أمة الترك ، أو موطن مثل أمة أمريكا ، أو دين مثل الأمة الإسلامية ، ف أُمَمٍ دال على عدد كثير من الأمم يكون بعد نوح - عليه السّلام - . وليس الذين ركبوا في السفينة أمما لقلة عددهم لقوله : وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [ هود : 40 ] . وتنكير أُمَمٍ لأنّه لم يقصد به التعميم تمهيدا لقوله : وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ . و ( من ) في مِمَّنْ مَعَكَ ابتدائية ، و ( من ) الموصولة صادقة على الذين ركبوا مع نوح - عليه السّلام - في السفينة . ومنهم أبناؤه الثلاثة . فالكلام بشارة لنوح - عليه السّلام - ومن معه بأن اللّه يجعل منهم أمما كثيرة يكونون محلّ كرامته وبركاته . وفيه إيذان بأن يجعل منهم أمما بخلاف ذلك ، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله : وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ . وهذا النظم يقتضي أن اللّه بدأ نوحا بالسلام والبركات وشرّك معه فيهما أمما ناشئين ممن هم معه ، وفيهم الناشئون من نوح - عليه السّلام - لأن في جملة من معه أبناءه الثلاثة الذين انحصر فيهم نسله من بعده . فتعين أن الذين معه يشملهم السلام والبركات بادئ بدء قبل نسلهم إذ عنون عنهم بوصف معية نوح - عليه السّلام - تنبيها على سبب كرامتهم . وإذ كان التنويه بالناشئين عنهم إيماء إلى أن اختصاصهم بالكرامة لأجل كونهم ناشئين عن فئة مكرمة بمصاحبة نوح - عليه السّلام - ، فحصل تنويه نوح - عليه السّلام - وصحبته ونسلهم بطريق إيجاز بديع . وجملة وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ إلخ ، عطف على جملة اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا إلى آخرها ، وهي استئناف بياني لأنّها تبيين لما أفاده التنكير في قوله : وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ من الاحتراز عن أمم آخرين . وهذه الواو تسمى استينافية وأصلها الواو العاطفة وبعضهم يرجعها إلى الواو الزائدة ، ويجوز أن تكون الواو للتقسيم ، والمقصود : تحذير قوم نوح من اتباع سبيل الذين أغرقوا ، والمقصود من حكاية ذلك في القرآن التعريض بالمشركين من العرب فإنّهم من ذريّة نوح ولم يتبعوا سبيل جدّهم ، فأشعروا بأنّهم من الأمم التي أنبأ اللّه نوحا بأنه سيمتعهم ثم يمسهم عذاب أليم . ونظير هذا قوله تعالى : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [ الإسراء : 3 ] أي وكان المتحدث عنهم غير شاكرين للنعمة . وإطلاق المس على الإصابة القوية تقدّم عند قوله تعالى : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ